السبت، 2 سبتمبر 2017

.......خديجة بوعلي....وجع مؤجل.......2017/9/2
توطئة
من خلال مجموعة لا بأس بها من النصوص التي وضعتها تحت المحك، بدا لي أن الشاعرة خديجة بوعلي تمتاز بالتنوع في خريطتها الشعريةمن خلال النصوص الإبداعية التالية...نداء القدس ،وأد حضارات ،سيدي يا رسول الله،مدينتي... لكن الجانب الوجداني هو الطاغي على نصوصها بصفة عامةوالدليل الأمثلة التالية...طيف المساء، انتظار،مسرحية الحياة،هدير البحر،أتركني اصرخ، صك غفران...وهذا يبين جليا مدى معاناة الشاعرة الإنسانة على مستوى تمثلات المجتمع والعلاقات البينية والنفعية المتردية التي تؤرق مضجعها، و كثرة المغالطات التي لوثت المجتمع فأثرت على نفسيتها الرقيقة... تقول خديجة بوعلي...
لم كل هذا التلوث
الذي عم الفضاء؟!
أهي أزمة في الضمير والأخلاق؟!
هي صورة من نوع خاص،ثورة اجتماعية على كثير من الظواهر المشينة التي دمرت المبادئ والمثل،لكن ما تلبث الشاعرة أن تتوجه لذاتها لتحكم القبضة عليها،و تقذف رأسها بمرجل من الآهات والأنات الحارقة، ها هي تناجي البحر وتخبره بعواصف الوجع القاتل الذي يكاد يدمرها...
أهدير البحر
أصوتك أم صوت البحر أسمع؟!
أناجيك وتناجي روحي
المشبعة بالوجع..........
حتى في نص ..العيد ..الفرحة عندها مغشاة بغشاء الحزن والوجع ...تقول خديجة أبو علي...
عيد بنكهة الغياب
هكذا أصبحت ياعيد
مكتظا بالضياع
لحظاتك حبلى بالفراغ
ضر البعد لظى
اكتوت بها الاحشاء
بالامس كنت ضياء
يكشف الاسى والعناء
مهللا منذ اشراقة
الحياة. . .
منتشيا. . . متسربلا
في بهجة وهناء. . .
ألهذا الحد ذهبت
معالمك ادراج الرياح ؟!
كساك الغياب خريفا
غاب عنه لون الفضاء
عقاربك تعزف
سمفونية الالم
وتراتيل الوجع
خديجة بوعلي
خنيفرة المغرب
لا حظوا معي المعجم اللغوي، الذي تمتاح منه شاعرتنا...هو معجم يحمل بين طياته الألم ...الوجع...الحزن...الأسى...الضياع...الخريف...اللظى...فاستعمالاتها لكلمات إيجابية أحيانا كالصبح والفرح والهناء..إشراقة ...بهجة...هناء...فقط لخدمة مفهوم سمفونية الوجع الذي ظل يخيم على مجمل قصائدها...
إذن هي قصة مازوشية ...قصة تعذيب الذات بشكل من الأشكال..الذات التي دمرتها العوادي...و يبلغ التعذيب حده حين تلتجئ الشاعرة للبكاء و الرضوخ لعربة الأنين القاتلة...وتصل أحيانا مرحلة اليأس ...لأن شوارع الحرقة والألم قد تعدت كل علامات الخطر...
لكن واقتناعا من شاعرتنا بأن دوام الحال من المحال، تتكبد وتتقمص لباس المجاهدة لبعث، بصيص من الأمل، تشرئب منه إلى عالم الأمل والطموح،من أجل إحياء قوى خفية،ثائرة في أعماق ذاتها ، فهي لا تحب الإستسلام كيفما كان الحال...حيث تعيش سمفونية المزاوجة بين اليأس و الأمل، الخضوع و التغيير...تمازج في العواطف،تلاطم في المشاعر والأحاسيس داخل كيانها كتلاطم الأمواج مع الصخور العاتية ،والدليل ما تسمعون...
نص يحكي عن تقمص الشاعرة لشخصية الفرح رغم عمق الجراح...
تقمصت يوما دورا كله فرح
وارتديت ثوبا كقوس قزح
وأشبعت مراتي المشروخة
بمساحيق ملونة
غطت تجاعيد محفورة
على محيا أيام السنين
الطويلة....الطويلة..
نص يحكي عن فسحة أمل رغم حشرجات الأنين...
لازلت أستنشق النقاء
رغم تلوث مويجاتك يا هواء
رئتاي تتنفسان الصفاء
وقلبي نبضاته حب وإخاء
لكل إخوتي /الأصدقاء
نفسية تتمازج فيها القوة مع الضعف، الحلم مع الواقع، الشجاعة مع الخوف..هي نفسية غير مرتاحة بتاتا،والحقيقة أن مزاجيتها هي التي خلقت لنا هذا الزخم الجميل من القصائد الراقيةوالممتعة
وتبقى الشاعرة خديجة بو علي كيفنا كان الحال مشروع قصائد وجع مؤجل...
مواكبة نقدية لإحدى قصائد الشاعرة خديجة بوعلي...أنة الروح...
...........أنة الروح .......
بين المطرقة والسندان
علقت روحي
بينهما تئن جروحي
بالليل انشد بزوغ الفجر
وبالنهار حثيثا
اترقب ضوء قمري
نجوم الليل جمرات
تكوي اضلعي
وجدائل الشمس
سياط تجلد
نبضات قلبي
ليال انس تلاشت
وليالِ سهد
عاتيةَ الريح
صرحَ حلمي هزت
واطاحت بعذوبة لحني
فأخرست زغاريدي
جارفة ...مستبدة
عواصف ....
أردت صحارى جرداء
جنات امالي
هزمت ربيعا مزهرا
حلق عاليا في سمائي
لوعة الخريف كست
شهقات الصبح ...
والعتمات وأدت
صهيل الفرح
خديجة بوعلي
خنيفرة المغرب
النص الذي بين أيدينا،نص وجداني... يتصارع فيه الحزن مع الفرح والليل مع النهارالأمل مع اليأس...صراع وضعت فيه
الشاعرة روحها بين المطرقة والسندان... وهو توظيف جميل لقول مأثور...
تقول...
بين المطرقة والسندان
علقت روحي
بينهما تئن جروحي
بين المطرقة والسندان يدك الفولاذ...لكن هنا الروح حلت محل الفولاذ...والضربات القوية التي تتلقاها الروح ستكون أقوى من الضربات التي يتلقاها الفولاذ...معاناة قاسية فعلا ...وزادها قساوة حلكة الليل القاتم...حيث النجوم جمرات حارقة تكوي جوانحها المنكسرة ...حتى المعجم اللغوي المستعمل هنا عند شاعرتنا معجم قاتم يستحوذ على الجزء الأكبر من القصيدة،مثل ...الفناء...العذاب... المعاناة... ...تئن...جمرات..سياط...عاتية...جارفة ...عواصف....لوعة الخريف...شهقات عتمات...وأدت....أما المفردات التي سطرتها للخروج من هذا العالم البئيس،والبحث عن موطئ قدم في عالم كله خبث ومكر... هو انبلاج الصبح ...وقد يرمز الصبح إلى ولادة جديدة للحياة...هي ولادة قيصرية تخرج منها البسمة من بين براثن المشيمة...فرغم وجود كلمات دالة على إشراقة يوم جديد ...كالصبح والقمر والشمس والفرح والربيع والزغاريد... وهلم جرا ...هذه الكلمات قيدت و كبلت لأنها لم تعد تحمل معنى الجمال والهناء الإعتيادي وإنما فقط مجرد انتظارات ومأمولات،غالبا لا تتحقق ...إنه وجع من فوقه وجع في بحر لجي من الآهات التي لا حدود لها...وربما تحكي سمفونية وجع على مستوى حياتها الإعتيادية....مرض...عمل...علاقات...فقدان الثقة...على كل حال مكبوتات كل شاعر من خلال ترسبات مجتمعية ونفسية وسياسية مختلفة...
أما من الناحية البلاغية فقد نجحت شاعرتنا في استعمال أساليب متنوعة كالإستعارة والمجاز وخير مثال نستدل به هو حين جعلت الروح کأنه فولاذ يئن تحت المطرقة والسندان...صهيل الفرح...شهقات الصبح...أراقب ضوء قمري...وجدائل الشمس...سياط تجلد
نبضات قلبي...فإخراج اللفظ من معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي جميل في الشعر...وشاعرتنا كثيرا ما وفقت في استعمالاتها،وأعتقد أنه لا تخلو قصيدة من قصائدها من هذا المعطى الجميل،الذي يزيد التجربة الإبداعية غنى و ثراء...اما من الناحية الصوتية ، حيث الكلمات عند مبدعتنا متناغمة ومنسجمة،سواءعلى مستوى النغم الداخلي الذي تصدرها تقارب الو حدات الصوتية الرنانة المستعملة في... روحي...جروحي...أطاحت...أخرست...تلاشت ...هزت...أما على المستوى الخارجي فقد كانت بين الحين والآخر تستعمل نبرة صوتية موحدة نسمع رنينها مع ياء المتكلم...جروحي...قمري...لحني..زغاريدي...لحني...سمائي...ولعل استعمالها لحرف السين أكثر من ست مرات في قصيدة قصيرة له دلالته الصوتية لما يحدثه من رنة على مستوى الهمس ...همس يبقى في سر الكتمان إن لم تبح به سلطانة الوجدانيات،خديجة أبو علي،شاعرة الوجع ...الوجع المؤجل!!؟؟
بين دروب
المد والجزر
أهدرت عمرا
....... ........
من ينتشلني
من براثن كل
هذا الذعر؟!
من يقاوم معي
كل هذا
المد والجزر؟!
بوعلي خديجة 17/6/2017
إعداد...........ذ.محمد مهداوي
0 تعليقات على " مواكبة نقدية خاصة لكتابات خديجة بوعلي شاعرة الاطلس "

جميع الحقوق محفوظة ل ملتقيات الحرف الزاهر